بيان المقرر الخاص للأمم المتحدة بشأن الحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات في ختام زيارته لسلطنة عمان

مسقط، 13 أيلول/سبتمبر 2014

أود أن أشكر حكومة سلطنة عمان على دعوتي لزيارة البلاد من أجل الاطلاع على وضع الحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات.  أن سلطنة عمان هي أول دولة في الشرق الاوسط توجه الدعوة إلى ولايتي منذ إنشائها من قبل مجلس حقوق الإنسان في أكتوبر 2010.  وتعتبر هذه الدعوة بمثابة شهادة للسلطنة تبين استعدادها لإجراء حوار صريح ومفتوح حول حالة حقوق الإنسان.

كمقرر خاص، أنا خبير مستقل معين من قبل الأمم المتحدة بصفتي الشخصية وأعمل على أساس طوعي وفاءً لولايتي المكلف بها.

وقد تطرقنا انا و فريقي  الى طبيعة الشعب العماني من كرم الضيافة والترحيب التي احاطنا بها..

وأود أن أشكر حكومة سلطنة عمان على تعاونها قبل وخلال مهمتي. إنني في غاية الامتنان لجميع من حاورتهم. حيث كان لي محادثات بناءة مع ممثلي السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية. والتقيت أيضا بممثلي اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، كما أتيحت لي الفرصة أيضا للقاء مستشار محافظ ظفار خلال رحلتي الى صلالة والتي استغرقت يومين.

للاسف لم يسمح لي بزيارة السيد المعمري عضو مجلس الشورى والذي يقضي حكما بالسجن بعد ادانته بالدعوة الى تجمع غير قانوني.

بالإضافة إلى ذلك، فقد التقيت بنشطاء حقوق الإنسان الشجعان، رجالا ونساء، بما في ذلك المحامين الشباب، والمدونين والباحثين. و أنا أشعر ببالغ القلق إزاء حالات الاقتصاص المبلغ عنها، قبل وأثناء زيارتي، جراء محاولاتهم الاتصال أو اللقاء معنا. وإنني أناشد الحكومة ضمان سلامة جميع هؤلاء الأفراد وأن لا يتعرضوا لأي شكل من أشكال الاقتصاص – بما في ذلك التهديدات والمضايقات والعقاب أو الإجراءات القضائية. المنصوص عليها في قرارات مجلس حقوق الانسان ذي الرقم 24/24 في 2012 و شروط الزيارات القطرية التي وضعتها الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الانسان.

لقد قطعت سلطنة عمان شوطا طويلا في السنوات ال 40 الماضية، مع انجازات ملحوظة، لا سيما في مجالات البنى التحتية و التعليم والمياه و الطاقة والصحة والاقتصاد ، من الجلي ان سياسات الحداثة قد  كان لها اثر ايجابي يستحق الاقرار و الاحتفاء به.

وكذلك ، فأن الاستقرار و الأمان الذين تنعم بهما سلطنة عمان ليسا بالأمر المفروغ منه في منطقة عرفت بكثرة النزاعات و التوترات وعدم الاستقرار ، وبعد 40 عاما فأن الوقت قد حان لسلطنة عمان لكي تؤسس على تلك الانجازات من خلال اعتماد منهجية لحقوق الانسان قائمة على الفرد والتي من شأنها ان تؤدي الى التمتع الكامل بالحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك الحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات. و أنا واثق من ان عمان نجحت في اللحاق بركاب الحداثة وبانها دولة قوية، فإنه يمكن وينبغي عليها تبني المزيد من الانفتاح.

في لقاءاتي مع الحكومة، لاحظت التركيز المستمر على الحفاظ على السلم والنظام العام والاستقرار في سلطنة عمان. والذي غلبا ما استخدم باعتباره الأساس المنطقي لتقييد حقوق التجمع وتكوين الجمعيات. الاستقرار مهم ولاشك. انما لابد من التشديد على ان التمتع بالحقوق المدنية و السياسية من جهة ، وبالاستقرار من جهة اخرى أمران غير متناقضين لا يلغي احدهما الاخر، في الواقع ان  حقوق الإنسان هي اساس الاستقرار الحقيق و المستدام . ويتدفق الاستقرار بشكل طبيعي من خلال المشاركة والتوافق من خلال عقد اجتماعي يشارك فيها الجميع بحرية. و على وجه الخصوص، الحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات يعزز المساءلة الحكومية والمساواة بين مختلف الثقافات والمشاركة و التسامح والحكم الرشيد، والتي بدورها تعزز الاستقرار.

في لقاءاتي مع المجتمع المدني و الضحايا والناشطين خرجت بانطباع واضح بانتشار ثقافة الصمت والخوف التي تؤثر على كل من يتحدث او يعمل من اجل الاصلاح في السلطنة . أنهم يخشون التعبير عن أفكارهم، ويخافون من التكلم عبر الهاتف، ويتخوفون من اللقاء. أن استخدام تكنولوجيا الاتصالات في كل مكان في العالم تعتبر من المسلمات، الا انها مثل سكايب، غير متاحة في سلطنة عمان.  وهذا شيء استطيع انا وفريقي ان نشهد به ، كثير من الناس الذين تحدثنا إليهم افادوا عن تعرضهم للاعتقال أو الاحتجاز دون اتباع الاصول القانونية – بعض مرارا وتكرارا – ويتعرضون للترهيب والتعذيب النفسي. هذا لمجرد محاولتهم ألتاكيد على حقوقهم. اود ان اشدد على ان كافة الذين تحدثت اليهم قد تعرضوا لمثل هذه المضايقات، يؤكدون على ان ما يطالبون به الإصلاح السلمي، وليس الثورة.

طرحت قضية الفساد مرارا وتكرارا من كلا الجانبين من الحكومة ومن المجتمع المدني وعبر الطرفان عن الحاجة لمحاربة هذه الافة. وتعتبر هذه نقطة التقاء بالفعل. يتعين عل المسؤولين الحكوميين الترحيب بها، اذ ان القضاء على الفساد يستلزم صوت من هم خارج الحكومة كي يتمكنوا من مسألة المسؤولين الحكوميين، خلال اجتماعاتي مع الحكومة،  أكد عدد من المسؤولين أن المجتمع العماني يقيم ثقافة التوافق. ويتطلب توافق الآراء اقامة حوار بين جميع الاطراف المعنية، والا يفهم هذا على انه يعني اسكات الاصوات الناقدة او المعارضة . ان مجتمع مدني مستقل حر وقوي سيكون شريكا قيما في وضع وتنفيذ سياسات مكافحة الفساد وتعزيز المزيد من النمو.

من الاهمية بمكان ان تصدق الحكومة على وجه السرعة على العهد المدني المعني بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، كما على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية وفقا لتوصيات الاستعراض الدوري الشامل الخاص بالسلطنة.

ونشيد بانشاء عمان لمؤسسة وطنية لحقوق الانسان، انما اذا اردنا لهذ اللجنة الوطنية لحقوق الانسان ان تكون اكثر من واجهة للعلاقات العامة فينبغي ان تتمتع بمصداقية من قبل نشطاء حقوق الانسان. وتعاني اللجنة الوطنية العمانية لحقوق الانسان من عجز في المصداقية. ومن واجبها فعل المزيد من اجل حماية نشطاء حقوق الانسان و الدفاع عنهم لكونهم يزاولون عملهم بشكل سلمي.

مع الاخذ في الاعتبار هذه الشواغل، وبروح من التعاون والمشاركة البناءة، أود أن أبدي بعض الملاحظات والتوصيات الأولية.

حرية التجمع

يضمن القانون العماني الأساسي الحق في التجمع السلمي، مع التحذير من أن هذا الحق يجب أن يكون “في حدود القانون.” لسوء الحظ، استنادا إلى المعلومات التي جمعت،  أن “حدود القانون” هذه هي مقيدة جدا ، لدرجة أنها في كثير من الأحيان تلغي جوهر الحق.

حيث ان القاءات بأكثر من تسعة أشخاص، على سبيل المثال، تتطلب موافقة فعلية من السلطات. ويبدو أيضا أن هذه الموافقة هي اجراء إداري بحت ولا يمكن الطعن فيه أمام محكمة القانون. وان دائرة العمليات العامة غير ملزمة ببيان أسباب إتخاذ هذا القرار ولها نطاق غير مقيد لتفسير ما يشكل قيدا على حرية التجمع، بما في ذلك على أساس “النظام العام”.

بموجب القانون الدولي فأن ممارسة الحق في حرية التجمع السلمي لا ينبغي أن تخضع للترخيص من قبل السلطات. او على الأكثر فأن الأخطار المسبق هو إجراء كافي. من أجل اتخاذ التدابير اللازمة لحماية السلامة العامة والنظام وحقوق الآخرين وحرياتهم. وعلاوة على ذلك، ينبغي الاعتراف بالتجمعات العفوية في القانون وتعفى من الأخطار المسبق.

هناك أيضا سبب للقلق بشأن طريقة استجابة السلطات العامة للاحتجاجات. خلال زيارتي، سمعت العديد من التقارير عن استخدام القوة المفرطة والاعتقالات التعسفية ردا على التجمعات السلمية، ولا سيما خلال موجة الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح الاجتماعي في عامي 2011 و 2012، عندما افيد عن اعتقال المئات. حيث ذكر العديد من الأفراد انهم تعرضوا للتعذيب على أيدي السلطات، بما في ذلك ابقائهم فترات طويلة في الحبس الانفرادي وتشغيل الموسيقى الصاخبة على مدار الساعة.

أعتقد أن أحداث 2011و 2012 كان لها تأثير عميق على نفسية الكثير من العمانيين إلى يومنا هذا. بينما يسود شعور بالخوف، أثارت الاحتجاجات عملية لا رجعة فيها نحو المطالبة بمزيد من الحريات. وأعتقد أن الوقت قد حان لتعميق الحوار بين السلطات و اصحاب المصلحة في المجتمع من أجل نزع فتيل مشاعر الغضب وعدم الثقة والاستياء.

وأعتقد اعتقادا قويا أن التجمعات السلمية لا ينبغي أن ينظر إليها على أنها تمثل تهديدا. بل ينبغي تشجيعها- بصفتها صمام امان- ، لأنه ثمة قيمة في التعبير عن الخلاف وتفاوت وجهات النظر بصورة سلمية وعلانية. في الواقع،  فان الاحتجاجات السلمية هي المقياس الافضل لمعرفة اراء الشعب .

الحرية النقابية

نص القانون الأساسي لعمان على الحق في تكوين الجمعيات، ولكن ما لاحظته، ان ممارسة هذا الحق شبه معدومة عمليا في الممارسة.

قانون الجمعيات وتعديلاته لسنة 1972.تشوبه الكثير من الشوائب ويتعارض مع القانون الدولي . حيث انه  من جملة أمور أخرى يحد من نوع الجمعيات التي قد تتشكل، ويجعل التسجيل اجباريا ويعطي حرية التصرف المطلق لوزارة التنمية الاجتماعية لقبول أو رفض طلبات التسجيل ل “أي سبب … يراها الوزير وجيها “. يتطلب نفس القانون ان تحصل الجمعيات على موافقة الحكومة قبل أن تعمل مع، أو تتلقى تمويلا من منظمات أجنبية. ويوجب أيضا على الجمعيات إخطار الحكومة بشكل مسبق لا اي اجتماع قبل عقده بفترة لا تقل عن 15 يوما على الأقل وتزويد الحكومة بنسخة من محاضر الاجتماعات. وعلاوة على ذلك، ينص القانون على أن يحضر ممثل للحكومة هذه الاجتماعات. و اخيرا تم حظر الأحزاب السياسية.

مثال اخر على السيطرة المفرطة للحكومة ، مجموعة من المواطنين المعنيين الذين ارادوا ان يؤسسوا جمعية لحماية أراضي الغابات في محافظة ظفار منذ ثلاثة اعوام. تم رفض اجازتها فقط لأن الحكومة شعرت أن أنشطتها تكرار لجمعية بيئية أخرى في مسقط. ولكن لماذا تعطى جمعية واحدة حق الاحتكار؟  ان الحكومة لم تحرم فندقا من رخصة العمل لمجرد وجود فندق اخر يعمل في نفس الحي .

وأود أن أشير إلى أن الحكومة تعهدت بتعديل قانون الجمعيات أثناء الاستعراض الدوري الشامل في يناير 2011. كما طمأنني المسؤولون الحكوميون في مناسبات عدة  بأن قانون الجمعيات سيتم تعديله وهو حاليا قيد البحث. وسرني سماع هذا، ولكن نظرا للعيوب العميقة والجوهرية في القانون الحالي، أود أن تذهب الحكومة خطوة أبعد ونوصي بأن تنظر الحكومة في اصدار قانون جديد بالكامل يتماشى مع احكام الصكوك الدولية لقانون حقوق الإنسان ذات الصلة. سأظل تحت تصرف الحكومة في حال طلبت المساعدة الفنية لمثل هذا القانون كما ورد في قرار مجلس حقوق الانسان ذي الرقم 15/21.

وأعتقد أيضا انه يجب أن تكون هناك إجراءات عاجلة لتعديل أو إلغاء القوانين الأخرى التي لها تأثير ضار على ممارسة حقوق التجمع وتكوين الجمعيات السلمية. على سبيل المثال فأنا أشعر بقلق بالغ إزاء قانون الجنسية الذي سن حديثا ، الذي ينص على أن المواطنين العمانيين قد يتعرضون لفقد جنسيتهم إذا ثبت انخراطهم في منظمة تعمل ضد مصلحة البلد. هناك تخوف من أن هذا القانون يمكن ان يستخدم في تهديد أو معاقبة نشطاء المجتمع المدني الذين يجرؤون على المعارضة السلمية. وأشاطرهم هذه المخاوف.

وكذلك، أنا قلق من عدم قدرة النشطاء على تكوين الجمعيات على الانترنت بحرية. كما أشرت في وقت سابق، والحصول على المكالمات الصوتية عبر الإنترنت VoIP)) وخدمات تبادل الرسائل الفورية محدودة ، وتم سجن عدد من المدونين والكتاب بزعم التعبير عن وجهات نظر معارضة على الانترنت. وقد أقر مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة مؤخرا أهمية التكنولوجيات الجديدة للاتصالات “في تمكين وتيسير التمتع بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات” (A / HRC / RES / 21/16). وإنني أكرر هذه الشعور وازيد القول بأن تكنولوجيا المعلومات هي جزء لا يتجزأ من ممارسة حقوق التجمع وتكوين الجمعيات. هذه التقنيات ليست فقط وسيلة لتسهيل هذه الحقوق في العالم الحقيقي، فهي الفضاء الافتراضي حيث تمارس بنشاط الحقوق نفسها. فالحق في حريات التجمع السلمي وتكوين الجمعيات قائم على الانترنت كما هو قائم خارجها

وقد أثبتت التجارب أن وجود مجتمع مدني قوي يعزز شرعية الحكومة وصورتها محليا ودوليا. وهذا، على ما أعتقد، يقوي ويعزز الاستقرار. مرة أخرى، أود أن أثني على شعب وحكومة سلطنة عمان على الإنجازات الهائلة الى اليوم. ومرة اخرى أكرر استعدادي التعاون مع حكومة سلطنة عمان لدعم جهودها الرامية إلى تعزيز ممارسة الحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات.

أشكركم على اهتمامكم.

المصدر

شارك